الشيخ محمد الصادقي الطهراني
64
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هذا الميدان سابق على الكائنات بأسرها بسابغ الرحمة المتعالية في روحه وجسمه فإنه في أحسن تقويم ، فقضية الرحمة السائدة من فاطر السماوات والأرض ان يختص نوع الإنسان وأضرابه بخاصة رحمته وخالصتها التي تخرجه من الظلمات إلى النور ، ألا وهي رحمة الوحي والرسالة . ولان الفَطر هو الشقّ فالانفطار هو الانشقاق إما في نفس الشيء وهو الانشقاق عن كيانه « السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا » ( 73 : 18 ) أم انشقاقا في غيره واشتقاقا عنه كما في خلق السماوات والأرض وأين انفطار من انفطار ؟ إذا فالسماوات والأرض منفطرتان منشقتان عن أصل سابق هو المادة الأولية للكون وكما في آية هود : « هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ . . » ( 11 : 7 ) فقد فطر السماوات والأرض عما سماه ماء وهو المادة الأولى التي خلقها لا من شيءٍ . فمما لا يريبه شك لدى الأحزاب الثلاثة : الملحدين - المشركين والموحدين - ان السماوات والأرض هما منفطرتان عن ايٍ كان ، والانفطار دليل الفاطر ، وانتظامه بملايين القوانين دليل علمه وقدرته وحكمته البارعة ، والوحدة السائدة فيه دليل وحدته ، ولا يملك اي مدلول ما يملكه فاطر السماوات والأرض من براهين قاطعة ساطعة فطرية وعقلية وكونية : آفاقية وانفسية ، وكل إلى ذاك الجمال يشير ! ليس في اللَّه شك فضلا عن شك مريب ، مهما شك فيه الشاكون وارتاب فيه المرتابون . أفليس العقل والعلم يقولان وكل فطرة وفكرة تقول : كل حادث بحاجة ضرورية إلى محدث ، وكل منفطر لزامه فاطر ، فعلى قدر الحكمة في الانفطار نستدل بحكمة الفاطر الجبار ؟ أليس العقل يحيل حدوث شيء دون علة تعاصره وتناصره ما هو كائن كما كوّن ؟ أليس العلم لا يزال يفتش عن علل الحوادث الخفية « 1 » . « أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » فمجرد الإشارة إليهما والإحالة عليهما يكفي ،
--> ( 1 ) . راجع كتابنا « حوار بين الإلهيين والماديين »